ابن عربي

467

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

ما هو فعل لا من حيث ما هو حكم ، وإنما أخفى ذكره هنا وذكر المغفرة لقوله ( إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ ) والأمر من أقسام الكلام ، فما أمر بالذنوب وإنما أمر بالمسابقة والإسراع إلى الخير وفيه ، وإلى المغفرة ، جاء في الحديث [ لو لم تذنبوا لجاء اللّه بقوم يذنبون فيغفر لهم ] ولم يقل فيعاقبهم ، فغلب المغفرة وجعل لها الحكم . فأصل وجود الذنب بذاته لما يتضمنه من المغفرة والمؤاخذة ، فيطلب تأثير الأسماء ، وليس أحد الاسمين المتقابلين في الحكم أولى من الآخر ، لكن سبقت الرحمة الغضب في التجاري ، فلم تدع شيئا إلا وسعته رحمته « وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ » العرض ينحصر في السماوات والأرض في سعة الجنة ، ولم يذكر لطولها حد ولا انتهاء ، فطولها روحاني معنوي ، وعرضها جسماني ، فطولها لا ينحصر ، وأما من جهة التحقيق ، فإن ذكر عرض الجنة فإن شكلها مستدير ، والطول لا يظهر إلا ببداية وغاية ، فعرض الجنة قطرها إذا قدرته ، وليس لها طول لكونها كريّة . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 134 ] الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 134 ) « وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ » لتعدي حدود اللّه ، قال صلّى اللّه عليه وسلم : [ من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه ملأه اللّه أمنا وإيمانا ] فمن الإيمان كظم الغيظ . « وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ » فإن للخلق أجرا على اللّه لأعمال عملوها له ، ولأعمال عملوها للخلق رعاية للحق ، كالعفو من العافين عن الناس ؛ فإن الإنسان إذا رحم نفسه وزال الغضب بإطلاق الانتقام أعقبته الرحمة ، وهي الندم الذي يجده الإنسان إذا عاقب أحدا ، ويقول : لو شاء اللّه كان العفو عنه أحسن ، لا بد أن يقول ذلك ، إما دنيا وإما آخرة في انتقامه لنفسه ، لئلا يتخيل أن إقامة الحدود من هذا القبيل ، فإن إقامة الحدود شرع من عند اللّه ، ما للإنسان فيها تعمّل . « وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ » راجع الآية ( 148 ) . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 135 ] وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 135 )